امحند" كهوية بصرية ناطقة ومقاومة للتهميش . .
"امحنذ " كهوية بصرية ناطقة ومقاومة
للتهميش
محمد حستي
تقديم
تندرج هذه القراءة في سياق تحليل سيميائي ورمزي لعمل كاريكاتوري من توقيع الفنان التشكيلي المغربي محمد حستي، المعروف بتوظيفه للرموز الأمازيغية والشخصيات الثقافية المحلية لتفكيك تمثلات الهامش، والهوية، واللغة، والسلطة. يعكس هذا الكاريكاتور تمثيلًا بصريًا لشخصية "أمحند" بوصفها حاملًا لهوية أمازيغية مشروخة، تُفكّر ولا تتحقق، وتحضر رمزيًا بينما تغيب مؤسساتيًا
أولًا: التوصيف البصري للعمل الفني الكاريكاتوري
تتكون قطعة هذا الكاريكاتور من العناصر التالية
شخصية رجل أمازيغي جبلي تقليدي بسيط سميتها ب "امحنذ"، يجلس على ظهر حمار في وضعية عكسية للتأمل (وجهه للخلف).
الحمار يتميز بتضخيم ملامحه خاصة العينين، مع تعبير يوحي بالذهول وبالاستغراب أو للتساؤل.
امحنذ يرتدي لباسًا تقليديًا من النسيج الأمازيغي القديم (جلابة، برنوس، قبعة أمازيغية مطرزة).
فقاعة فكرية في الأفق تظهر فوق رأسه امحنذ ، تضم رمزًا من حروف تيفيناغ" الياز "، لكن بشكل غير مكتمل متلاشية أو غامض.
ثانيًا: المقاربة السيميائية
الرموز والأيقونات.
امحنذ": الشخصية المركزية في الرسم الكاريكاتوري يتحول من مجرد شخصية شعبية نمطية في الثقافة الشعبية إلى أيقونة هوية تعكس حالة التردد والقلق الوجودي الذي يعيشه الإنسان الأمازيغي في ظل التهميش الثقافي والسياسي.
الحمار: عادة ما يُمثل في المخيال الشعبي العام رمزًا للجهل ، البساطة أو البلادة ، لكنني عبر الثقافة البصرية وبفن الكاريكاتيري أبيت أن أعيد له اعتباره الرمزي بصياغة تأويلية تليق به ليصبح أداة لنقل "الهوية" المشوهة، وكأنه جسد الذاكرة المأزومة.
وضعية الجلوس العكسية:اللقطة تجد بالملموس دلالة على فقدان السيطرة على المسار التاريخي، وانقلاب في اتجاه الفعل، حيث أصبح الأمازيغي يتأمل الماضي بدلًا من قيادة المستقبل.
الفقاعة الذهنية ورمز تيفيناغ: تمثّل اللغة الأمازيغية وكتابتها التيفناغبوصفها فكرة مؤجلة أو لغة تفكير لا لغة ممارسة، محاصَرة بين الاعتراف الرسمي والضياع المجتمعي.
ثالثًا: تحليل الدلالة الثقافية والسياسية
يُحيل هذا العمل الكاريكاتوري إلى لحظة تأمل وجودية في سؤال
"هل ما زالت اللغة الأمازيغية لغة الأرض والذاكرة والعلم؟"
امحنذ لا يتحدث في الغالب، بل يتأملو يفكّر. والحمار لا يسير للأمام ،إنه ينتظر وسائر امحنذ في اتخاذ قراراته . ورمز الياز لم يُكتب كتابة واضحة لأنه في بُعد متلاشي في التاريخ ، بل يُشفر ضمن خطاب مهدَّد بالإلغاء الرمزي. كل هذا يكوّن فضاءً من الغموض والانتظار الثقافي، كما لو أن الأمازيغية أصبحت تعيش "موتًا ناعمًا".
رابعًا: وظيفة الكاريكاتور كخطاب بصري نضالي
ينتمي هذا العمل إلى ما يُمكن تسميته بـ"الكاريكاتير الناقد والمقاوم". لانني لا أكتفي بالسخرية أو التمثيل التهكمي العابر ، ولهذا أحرص جيدا على أن أقدّم خطابًا كاريكاتورية بصريًا يترافع بصمت عن هويتي الثقافية ، بلغة فنية مشحونة بالدلالات العميقة .
تفعيل الرموز التراثية في قالب بصري معاصر.
تصوير الصراع بين الماضي المهمّش والمستقبل غير المؤطَّر.
تحويل الهوية الأمازيغية من فولكلور استعراضي سلبي إلى سؤال معرفي جمالي بصري يتحدى السلطة الرمزية.
خاتمة
يشكّل هذا الكاريكاتور تمثيلًا بصريًا مركبًا لحالة الهوية الأمازيغية في مغرب اليوم. فاللغة صارت فكرة معلّقة، والهوية تُجرّ على ظهر التاريخ، والحكمة تُختزل في صمت الحمار، والرمز يُكتب ويُمحى في آن. وبهذا، يتحوّل امحنذ إلى شاهد ثقافي يتالم في صمت على مأساة التهميش، ورمز نضالي يُسائل السياسات اللغوية والثقافية المعطلة.
مراجع ومفاتيح نظرية:
رولان بارت: التحليل السيميائي للصور.
بيير بورديو: الرمزية الثقافية والمخيال الاجتماعي.
أومبيرتو إيكو: السيميائيات المفتوحة في الإنتاج الثقافي.
عبد الكبير الخطيبي: الاسم العربي الجريح، توبقال، 1980.
مقاربات في سيميولوجيا الكاريكاتور: مجلة "فنون ومعاني"، العدد 12، باريس.
30/7/2025
الخميسات

Commentaires
Enregistrer un commentaire