عندما تتحول الامتحانات المدرسية إلى منابر للوجع السياسي بدل بناء المواطنةالتربوية
عندما تتحول الامتحانات المدرسية إلى منابر للوجع السياسي بدل بناء المواطنةالتربوية
بقلم: محمد حُستي
أستاذ و باحث في قضايا التربية والفن
والمجتمع
في امتحان موحد محلي لنيل شهادة الدروس الابتدائية بالمغرب، دورة يناير 2025، مادة اللغة العربية، فوجئ الرأي التربوي والمهني بعدد من الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية بإدراج نص سردي مقتبس من موقع الجزيرة الإخباري، يتناول سيرة الطبيب الفلسطيني "حسام أبو صفية"، ويستعرض مآسي العمل الإنساني في قطاع غزة، وسط قصف متكرر ومعاناة إنسانية كبيرة. ورغم وجاهة الرسالة الإنسانية التي يتضمنها النص من حيث الشكل، فإن المضمون يطرح إشكالات عميقة حول البيداغوجيا، والحياد، وأهداف
التقويم التربوي في المدرسة المغربية
أولاً: المدرسة المغربية ليست منبرًا سياسيًا ولا شاشة أخبار حزينة
من المفترض أن تكون المدرسة فضاءً تربويًا آمنًا، محكومًا بمنهجية علمية مبنية على التدرج والتكيف مع قدرات المتعلم النفسية والذهنية والعاطفية. فاختيار نص يتمحور حول الحرب والحصار والدمار والموت، ليمتحن فيه طفل مغربي في عمر 11 سنة، هو خطأ تربوي جسيم.
الطفل في المرحلة الابتدائية يعيش في عالم وجداني هش، تتشكل فيه شخصيته عبر الاستقرار، والتكرار، والنماذج المألوفة. أما تعريضه، في ورقة امتحانية رسمية، إلى خطاب مأساوي يصوّر الضحايا والعدوان والقصف، فهو من شأنه أن يُحدث صدمة داخلية أو قلقًا وجدانيًا، لا سيما إذا تم ذلك في إطار اختبار يُنتظر منه النجاح أو الرسوب.
المدرسة لا يجب أن تتحول إلى قناة أخبار أو مسرح للدراما السياسية، بل إلى حضن تربوي يزرع الطمأنينة، ويرسخ القيم بأسلوب تربوي مناسب لمستوى النمو العقلي والانفعالي للمتعلمين
ثانيًا: تغييب الذاكرة الوطنية والمجال الثقافي المحلي
نص الامتحان يعرض نموذجا بطوليا من خارج الحدود، وكأن المغرب لا يتوفر على رموز ونماذج إنسانية مماثلة. فأين هم الأطباء المغاربة الذين خدموا في ظروف قاسية في جبال الأطلس؟ أين المعلمون الذين درّسوا في الفرشاة وفي العراء؟ أين نساء القرى اللائي يقمن على التوليد الشعبي في غياب المستشفيات؟ وأين ضباط الوقاية المدنية الذين يخاطرون بأرواحهم في الحرائق والفيضانات؟
مثل هذه النماذج الوطنية، القريبة من محيط الطفل، هي الكفيلة ببناء حس المواطنة، والانتماء، والتقدير للوطن. أما اختزال البطولة في شخصية مستوردة من بيئة سياسية ملتهبة، فهو ضرب من التغريب، بل نوع من المحو الرمزي للبطولة المغربية. فالأمثلة الوطنية كثيرة، وتُسهم في صقل روح العزة والاعتزاز بالوطن لدى الناشئة، وهي أَولى بالظهور في الامتحانات الرسمية من أي شخصية خارجية مهما بلغت شهرتها أو رمزيتها.
ثالثًا: خرق صريح لمبدأ الحياد التربوي
من أبرز المبادئ المعتمدة في التشريعات التربوية أن يظل الفضاء المدرسي محايدًا من حيث الأيديولوجيا، والسياسة، والاختيارات العقائدية. لكن تقديم هذا النص في امتحان رسمي يعكس تسييسًا غير مباشر للعملية التعليمية، إذ يتم من خلاله تسريب رسائل سياسية من خلال خطاب إنساني.
وحين يتعلق الأمر بأطفال في المرحلة الابتدائية، فإنهم لا يملكون بعدُ أدوات التحليل أو التفكيك النقدي، بل يتلقون المضمون في شكله الانفعالي العاطفي. وهذا خطر تربوي كبير، لأنه يغرس في أذهانهم رموزًا موجهة بدون أن يمنحهم فرصة المقارنة، أو التساؤل، أو فهم السياق التاريخي والسياسي الحقيقي. وهو ما يجعل هذا التمرين بعيدًا عن دور المدرسة كمؤسسة لصقل الفكر الحر، والتربية على المواطنة العالمية من منظور وطني.
رابعًا: غياب الذكاء البيداغوجي والإبداع في بناء التقويم
ما يثير القلق في هذا النموذج الامتحاني هو غياب الخيال التربوي لدى الجهة التي صاغته. بدل أن تُبنى النصوص على القصص التحفيزية، أو السيرة الذاتية لشخصيات مغربية ملهمة، أو المواقف الحياتية التي تقرّب القيم بطريقة تربوية (مثل احترام الوالدين، التضامن، حب الوطن، التعاون في المدرسة)، تم اللجوء إلى نص حربي مأساوي، يهيمن عليه خطاب المظلومية، والانفعال، والدم.
في هذه المرحلة التعليمية، يحتاج الطفل إلى نصوص تبني فيه الخيال، الأمل، المبادرة، والقدرة على التعبير السليم. أما اختبار قدراته اللغوية على أنقاض مشاهد الحرب، فهو إخفاق في هندسة التقويم، وإقحام لسياقات لا تمت بصلة إلى سن الطفل المغربي، ولا إلى معيشه اليومي.
خامسًا: أين الإنسان المغربي في هذا الامتحان؟
إننا أمام امتحان لا يعرّف التلميذ بنفسه، ولا يربطه بمحيطه، بل يدفعه إلى التماهي مع أوضاع مأساوية لا يفهم خلفياتها. وهذا يُفقد العملية التربوية معناها الأساسي: بناء إنسان مغربي مسؤول، متوازن، مرتبط بهويته، قادر على فهم واقعه وتغييره.
فالامتحانات ليست مجرد قياس للمهارات اللغوية، بل هي أيضًا لحظة لإعادة إنتاج القيم، ولترسيخ المعاني، وغرس النماذج المرجعية في ذهن المتعلم. وإذا ما طغى فيها البعد السياسي على البعد التربوي، فإننا نكون قد حولنا أدوات التقويم إلى أدوات دعاية، وهو ما يجب أن يُرفض من طرف كل غيور على مصلحة الطفولة المغربية.
الخلاصة والتوصيات
نحن في حاجة اليوم إلى مراجعة حقيقية لمسار إنتاج النصوص التربوية والتقويمية في التعليم الابتدائي، وذلك من خلال ما يلي:
1. إعادة الاعتبار للبيئة الوطنية والمجال المحلي كمصدر للنماذج التربوية الملهمة.
2. الابتعاد عن تسييس النصوص التعليمية، أو توجيهها لخدمة قضايا خارجة عن مجال المدرسة المغربية.
3. مراعاة الخصائص النفسية والوجدانية للأطفال عند إعداد مواضيع الامتحانات، بما يحميهم من الصدمات العاطفية أو الصور المأساوية.
4. تكوين اللجان التربوية المشرفة على التقويم في مجالات علم النفس التربوي، وبيداغوجيا الطفولة، وعلم اجتماع المعرفة المدرسية.
5. فتح نقاش عمومي حول وظيفة المدرسة المغربية وحدود مسؤوليتها الثقافية والسياسية في سياق تربوي حديث.
ملاحظة ختامية:
لسنا ضد التضامن مع قضايا إنسانية عادلة، لكننا نرفض أن تكون الطفولة المغربية وقودًا لمعارك سياسية غير مفهومة بالنسبة إليهم. التضامن يُبنى على الوعي، والوعي لا يكون إلا من داخل المدرسة التي تحترم ذكاء الطفل، و تحميه من الابتزاز العاطفي-


Commentaires
Enregistrer un commentaire