"أولوية السياسي على الثقافي في السياق المغربي: قراءة نقدية في علاقة المثقف بالسلطة"
"أولوية السياسي على الثقافي في السياق المغربي: قراءة نقدية في علاقة المثقف
بالسلطة"
حُستي محمد
تقديم عام
يشكّل سؤال العلاقة بين السياسي والثقافي أحد أبرز الأسئلة الإشكالية في الحقل العام المغربي، بالنظر إلى المسارات المتقاطعة والتوترات المستمرة بين المجالين، سواء على مستوى التاريخ السياسي أو على صعيد التحديث الثقافي. ويبدو أن هذه العلاقة كانت -ولا تزال- محكومة بنوع من التراتبية السلطوية التي تمنح السياسي صدارة القرار والتحكم، في مقابل تهميش أو تحجيم الفعل الثقافي، بل أحيانًا تشييئه وتوظيفه وفق أجندات ظرفية، مما يدفعنا إلى إعادة التفكير في حدود وممكنات هذه العلاقة.
أولاً: السياسي والثقافي: تموضع السلطة والخطاب
إذا كانت السياسة تُعرّف -في أحد أبرز مفاهيمها الحديثة- على أنها فن تدبير الممكن (Max Weber)، فإنها لا تكتفي بهذا المعطى التقني، بل تتحوّل إلى ممارسة هيمنة على الحقول الأخرى، ومنها الحقل الثقافي. ويشير بيير بورديو (Pierre Bourdieu) إلى أن الهيمنة الرمزية التي تمارسها السلطة السياسية لا تتحقق فقط عبر القوة، بل أيضًا من خلال السيطرة على الرموز والخطابات، أي من خلال التأثير في الثقافة نفسها¹.
في السياق المغربي، غالبًا ما طغت أولوية السياسي على الثقافي، ليس بوصفه خيارًا براغماتيًا وظرفيًا فقط، بل كموروث تاريخي يعيد إنتاج نفسه ضمن بنية الدولة الحديثة. فقد ظلّ المثقف المغربي، على مرّ عقود، محاطًا بجدار سميك من الشك والتوجس، بل تم في كثير من اللحظات ربطه بالفوضى أو بالتنظير العبثي، مما أدى إلى إقصائه أو تهميشه من مراكز القرار.
ثانيًا: الدولة والثقافة: من الرعاية إلى الضبط
رغم تأسيس مؤسسات رسمية تُعنى بالشأن الثقافي، مثل وزارة الثقافة والمعاهد الفنية، إلا أن هذه المؤسسات في كثير من الأحيان تُدار بعقلية بيروقراطية سياسية، لا تؤمن بالفعل الثقافي كرافعة للتنمية، بل كمجرد واجهة رمزية. وفي الغالب، يتم تعيين مسؤولين على رأس هذه المؤسسات لا يمتلكون تكوينًا ثقافيًا أو مشروعًا معرفيًا حقيقيًا، ما يجعل الوزارة الثقافية تُعد من "الوزارات غير السيادية"، ذات الميزانيات الأضعف، كما تشير تقارير وزارة الاقتصاد والمالية المغربية².
وقد أدى هذا الوضع إلى ما يمكن تسميته بـ"سياسةإفراغ الثقافة من فعاليتها"، حيث تحوّلت الثقافة من قوة اقتراح ونقد ومساءلة إلى مجرد ملحق بروتوكولي في المشاريع السياسية، تُستدعى عند الحاجة لتجميل السياسات العمومية.
ثالثًا: المثقف المغربي بين الاستقلالية والاحتواء
لقد لعب المثقف المغربي، خاصة بعد الاستقلال، دورًا محوريًا في صياغة الوعي الجماعي، من خلال الصحافة، الكتابة، الفكر النقدي، والفن. إلا أن هذا الدور واجه تحديات عدة، أبرزها محاولات الاحتواء من قبل السلطة، أو محاصرته ضمن هوامش ضيقة. كما ساهمت بعض ممارسات النخبة الثقافية ذاتها في إنتاج قطيعة بينها وبين المجتمع، إما عبر نخبوية مفرطة أو ضعف في الارتباط بالواقع المحلي.
ومع ذلك، يظل المثقف -بحسب إدوارد سعيد (Edward Said)- صاحب وظيفة مقاومة (resisting function) ضد الأنساق السلطوية، ومنوطًا به أن يكون "ضمير المجتمع"³، عبر مساءلة الخطاب السياسي ومراقبة نزوعاته التسلطية.
رابعًا: الحاجة إلى نموذج جديد للعلاقة بين السياسي والثقافي
مع تصاعد الأزمات العالمية وتفاقم الاختلالات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، صار من الضروري إعادة التفكير في موقع الفعل الثقافي ضمن المنظومة السياسية. إذ لم يعد السياسي وحده قادرًا على ضمان الاستقرار أو النهوض التنموي، بل أضحت الثقافة -بما تحمله من قيم رمزية وخيالية ومادية- ضرورة لاستدامة التوازنات المجتمعية.
إن المثقف، باعتباره "مهندسًا للروح" حسب تعبير ستالين، مطالب اليوم بأن يتجاوز موقع التلقي والانفعال، ليصير فاعلًا رئيسًا في السياسات العمومية، لا سيما في التخطيط الثقافي، التربية، البيئة، الهوية، الإعلام، الفن، التراث، والمشاركة المواطنة. كما أن الدولة مدعوة إلى الانتقال من "الضبط الثقافي" إلى "الرعاية الثقافية"، بما يعنيه ذلك من خلق بنية تحتية ثقافية مؤسسية تراعي التنوع، الحرية، والإبداع.
خاتمة
لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية دون إعادة الاعتبار للثقافة، ليس فقط كمجال من مجالات الحياة العامة، بل كبعد جوهري للسيادة الوطنية، والكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية. فكما يُستثمر في البنية التحتية واللوجستيك والسياسة الاقتصادية، يجب أيضًا الاستثمار في الإنسان، في وعيه، وفي ذاكرته الجمعية.
إن المفارقة أن السياسي في اللحظات الحرجة يعود دائمًا إلى المثقف، ليبحث عن شرعية مفقودة، أو إجابة مؤجلة. غير أن اللحظة التاريخية الحالية تُحتم إعادة ترتيب الأولويات: من منطق الهيمنة إلى منطق التكامل، ومن أولوية السياسي إلى شراكة ثقافية-سياسية في أفق الحكم الراشد.
مراجع
1. Bourdieu, Pierre. La Distinction. Critique sociale du jugement. Paris : Les Éditions de Minuit, 1979.
2. Rapport de la Cour des Comptes du Maroc (2022). "Analyse des dépenses publiques dans le secteur de la culture."
3. Said, Edward. Representations of the Intellectual. New York: Vintage Books, 1994.
4. بنعبد العالي، عبد السلام. الحداثة والمثقف. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2001.
5. العروي، عبد الله. أزمة المثقف العربي. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط4، 2002.
6. بيتر سلوتردايك. نقد العقل السياسي، ترجمة فاطمة الشملالي، دار التنوير، 2016.

Commentaires
Enregistrer un commentaire