الفرح الجامعي كمرآة للتوترات المجتمعية
الفرح الجامعي كمرآة للتوترات المجتمعية
حُستي محمد
مقدمة
الاحتفال بحضور "الشيخات" في حفل تخرج طلاب من جامعة ابن طفيل فجّر نقاشًا عامًا حول حدود التعبير داخل الفضاء الجامعي، وكشف عن انقسام اجتماعي حاد في تأويل الفرح، الجسد، والرمز الثقافي. هذا السجال لم يكن مجرد "حادثة عابرة"، بل هو علامة سوسيولوجية على توتر حاد بين الحداثة والمحافظة، العقل والجسد، النخبة والشعب.
أولًا: الجامعة كمجال رمزي
– بين الصفاء المعرفي والامتداد المجتمعي
تُختزل الجامعة في المخيال العام الشعبي التقليدي كمؤسسة "عقلانية"، تنتج المعرفة بمنأى عن الفرح و العواطف والتقاليد . لكن هذا التمثّل "النقي" يتجاهل أن الجامعة:
فضاء اجتماعي بامتياز، يعيش فيه الطلبة تفاعلاتهم العاطفية والثقافية والهوياتية.
لا تُنتج فقط الشهادات العلمية ، بل تنتج المواطن، المتعدد الأبعاد.
وبالتالي، لا غرابة أن تنفتح لحظة التخرج على رموز شعبية (كـالشيخات)، فهي وسائط فرح اجتماعي وممارسات ثقافية ذات جذور عميقة.
ثانيًا: الشيخة كرمز مضاد
لتفكيك الوصم الاجتماعي
في قلب هذا الجدل، لا تقف "الشيخة" ككائن فني فحسب، بل كرمز مثقل بالمعاني الاجتماعية المتناقضة
من جهة، هي حاملة لتراث غنائي نسائي مستمد من المجتمع نفسه، مرتبط بـ"ثاماوايث"،"العيطة" والبوح الشعبي، يشكل جزءًا من الذاكرة الفنية الجماعية المغربية.
ومن جهة أخرى، تتعرض للوصم للمحاسبة الأخلاقية، بوصفها كائنا "منحطًا"غير مرغوب فيه أو "فاضحًا"، منحطا ،وفي درجة اجتماعية ضعيفة ، وهذه الصورة تعكس منظورًا محافظًا يمارس الرقابة الأخلاقية بدون أي صفة قانونية ويختزل الجسد الأنثوي في أداة إثارة شهوانية لا في أداة تعبير فني.
" تقول فاطمة المرنيسي إن المجتمع الذكوري العربي "لا يَخشى المرأة بقدر ما يخشى جسدها الحرّ".
ثالثًا: الفرح بوصفه حاجة سيكولوجية وسوسيولوجية
في علم الاجتماع والانثروبولوجيا، الفرح ليس ترفًا سلوكيًا لا قيمة له ، بل هو طقس جماعي وآلية اجتماعية ترمم التماسك الرمزي بين الأفراد والجماعات . خصوصًا في لحظات الانتقال الرمزي مثل النجاح والتخرج:
لأنه ليس نهاية أكاديمية فقط، بل عبور اجتماعي من مرحلة إلى أخرى تستدعي طقوسًا احتفالية يغمرها الفرح وغالبًا ما تحمل رموزًا من الذاكرة الجماعيةالمشتركة بين الأفراد ، وهنا يأتي استدعاء الشيخات بوصفهن حاملات للفرح الشعبي المتجذر في المجتمع
رابعًا: من يصدر الأحكام الأخلاقية؟ السلطة الرمزية وتوزيع الشرعية
السؤال الجوهري هنا: من يملك الحق في تصنيف الفرح مشروعًا أو مبتذلًا؟
إن الجدل حول "الشيخة في الجامعة" يفضح استمرار سلطة أخلاقية طبقية ومحافظة، تعتبر الفرح الشعبي "غير لائق"، مقابل تفضيل أشكال احتفال "نخبوية" ومتعالية.
وهذا يعكس تمييزًا رمزيًا بين "ثقافة عالية" (غربية أو نخبوية) و"ثقافة وضيعة" (شعبية).
إنه امتداد لما سماه بيير بورديو بـ"العنف الرمزي" الذي تمارسه النخبة في فرض ذوقها الخاص على الآخرين.
خامسًا: الاحتفال الجامعي كفعل تحرري
حين يحتفل الطالب بـ"الشيخة"، فهو:
لا يهين العلم، بل يحرر الفرح من الكبت.
يعيد الاعتبار لرمز نسوي شعبي مُقصى.
يكسر ثنائية "العقل ضد الجسد"، "الهوية ضد الحداثة"، "الجامعة ضد الشارع".
وبدلًا من أن يُفهم الاحتفال كـ"فضيحة"، يمكن قراءته كـممارسة لحق ثقافي في التعبير والفرح، مادام في حدود الاحترام العام.
خاتمة:
نحو جامعة حية لا محنطة
في النهاية، لا يتعلق الأمر بـ"الشيخة أو لا شيخة"، بل بـسؤال الحق في الفرح.
الجامعة التي لا تتيح لحظات شعورية وإنسانية لطلبتها، تتحول إلى معمل صامت، منتج للشهادات فقط.
وفي زمن الانهيارات النفسية والقلق الجماعي، يصبح الفرح مقاومة، لا ترفًا.
فلنصغ للإنسان فينا، كما جاء في النص، ما دمنا نريد مجتمعات متصالحة ومتوازنة.
مراجع :
1. Mernissi, F. (1991). The Veil and the Male Elite: A Feminist Interpretation of Women's Rights in Islam. Perseus Books.
2. سليم عبد الحميد. (2017). الجامعة والهوية الثقافية. مجلة الفكر المعاصر، العدد 14.
3. زكرياء الحداني. (2020). الشيخة بين التراث والوصم. مجلة الفنون الشعبية، المغرب.
4. بنعبد العالي، عبد السلام. (2009). الهوية والاختلاف. الثقافي العربي.

Commentaires
Enregistrer un commentaire